Mahmoud Darwish (13 March 1941 – 9 August 2008)

darwish

يطفو المرء حين يقرأه. يضحي إنساناً أسمى. لا لأنه مقاوم، وإنما لأنه شاعر. شاعر يرى الإنسان بوضوح، ويمضي في أكثر من بعدٍ زمنيّ. يخبر عن الحاضر وهو يرويه ماضياً. يتجاور "الآن" و"البعد حين" في شعره. فهو يقف في موقعٍ من الزمن يقف فيه وحده. يشرف وينفعل.
يحكي كثيراً عن الأحلام وعن الماء وعن النهايات التي تلي النهايات، وتفصل بينها محاولات.
يروي قصة القافز مرة تلو الأخرى إلى الموت، ينتظره في كل مرة موتاً يكون "أكثر"، ولا يدعو الناس من بعده إلا إلى الثقة بالماء.
الماء يغسل الوجوه، منه يولد البشر، وإليه يعودون كلما اشتاقوا أو احتاجوا الولادة من جديد. الماء يرطّب الأرواح، يخصّب الأجسام، ويعيد الكرّة.
لم يصنع إلهاً من فكرة، وإنما خاطب الواحد منا في أشدّ صفائه. الإنسان في لحظة مع نفسه. في أدق الصميم. هنا تدخّل. وهنا تحدّث. وثقته واضحة بأن هذه العلاقة ممكنة مع "الجماهير"، وهي سبيله إلى كل فرد فيها.
يقولون أن كبيراً اختفى وبالتالي اختفى إنتاجه وما عاد لنا سواه. فهو من ربط الفتى العربي بالشعر، بعد سنوات المدرسة، لا لشيء إلا لأنه يجعل النصّ، بشكله ومضمونه، يغوي ويغري. والإغراء يجذب الأجيال المختلفة، ويطوّعها. لغته تفعل ذلك. اللغة التي يخاطب بها الحياة، والصور التي يقترحها على العين، تؤكد ذلك. هذا الرجل يخبر عن إمكانيات اللغة العربية، ولقد أكّد أنها ليست محدودة بالواقع العربي. وهو يخبر عن إمكانيات الرؤية، ولا يعتبرها محدودة بالنظر.
اللغة حرّة. وهو بادلها الرقص فوق السحاب، قفزاً من غيمة إلى أخرى، وبعينٍ شاخصة إلى الأرض، أسرُه هنا. فهو يرى.
لا يصف الظاهر، لأنه قادر على الرؤية أكثر. هذا الرجل لا يرى ما يراه الناس، وليس لأنه مات يُقال ذلك وإنما لأنه فعلاً يرى. نصه يقول بذلك. لا يكتفي بالخطاب وإنما يشرح جذوره وأسبابه، يفترض إمكانياته، ويراقب تتماته، في بيت شعر واحد، لأنه يرى. يرى، كمن كُشف عنهم حجاب الشكل، وما عاد يحدّ نظرتهم إلى المضمون إلا اللغة.. فجعلها الرجل حرفته.
يخشون أن تخلو "الساحة" في غيابه. وكيف تعمر؟ بماذا؟ بمقاومات الجائعين إلى اللغة، أو بسلطات تستهدف المعنى بالإلغاء؟ من أين تولد الكلمات إن كانت خارج الإستخدام، معطلة؟ لا أحد يستخدم اللغة، الجميع يستهلكونها. لغة أدبية أو سياسية أو تعبوية أو دينية أو راقصة، تبقى لغةً بوظيفة، وسيلة لبلوغ غاية. والغاية مسطحة، كمكسب. فتضحي اللغة مسطحة، كوسيلة.
هو لم يقف عند ذلك. لغته حلّقت. الرجل ليس أداةً للمقاومة أو الإستسلام أو سواهما من المواقف المعلّبة، الرجل ربّ لغة ملكها فملكنا بها. اللغة الجميلة مدّتنا بمّا احتجنا إليه كي نحب أرضاً ورجلاً وإمرأة ونكهة ورائحة وسواها من مكوّنات الحياة. الرجل خاض في الأسباب ولم تشغله النتائج المتغيرة التي تهوس بعض الكتبة. الرجل يحكي في صلب القصة، يمسك نبض عنقها بإصبعين، يروي تدفق الدماء في العرقٍ، يقيم في موضوعه، ينتظر لحظة ينتهي الكلام من التدفّق كي يبدّل الموضوع، ولا تبدو لهذه النهاية بدايات. فنصّه بحر لا قعر له ولا حدود، كالمطر. لا شيء يحدّ قوله.
كل شيء في غيابه يكون أقل حضوراً وتسميةً.
حبّ الأرض في غيابه يكون أقل بلاغة وحرية.
إنتظار صدور كتاب الشعر يكون أقل تشويقاً.
غيمة، ليست بيضاء، يثقل حضورها ويخنق سواها من إمكانيات الغيم.
شكل شباب العرب أيضاً بات أقل شبوبية وإغراء.
المشهد يزيد القلب ضيقاً.
في يوم الدفن، ولأجل الدفن، تكشف هذه الصورة خمارها للحظات، فتظهر كاملة جلية.
المطلوب إذاً هو الهدوء في التوقعات، والبحث عن رشاقة الفراشات.
تصبح على خير.

سحر مندور